المحور الثقافي

الفخار في التراث الشعبي

بقلم الاستاذ إبراهيم خليل سكيك مؤلف سلسلة كتب غزة عبر التاريخ

اشتهرت غزة منذ أقدم عصورها – قبل نحو خمسين قرنا – بصنع الفخار ولم يقتصر استعماله على صنع أواني الشرب كالإبريق والكراز والكوز والزير والعسلية والجرة وإنما أواني الأكل أيضا كالقدرة والزبدية والكشكولة والطبق وكذلك اواني الخزين حيث لم تكن الصفائح المعدنية معروفة وإنما يتم النقل والتخزين في جرار وقدور يخزن فيها الزيت والسمن والعسل والزيتون والمخللات والفلفل الأحمر، وكذلك اللبن يروب في كيزان من الفخار ولا ننسى هنا لقان العجين الصغير ولقان الغسيل الكبير ومن المصنوعات التجارية الأخرى الطبلة والحصالة والقوار للزرع والقصرية للأطفال، وكانوا يصنعون منه المزاريب لتسريب مياه الامطار عن أسطح المنازل، ويقال أن نابليون حين حاصر غزة ورأى مزاريب الفخار بارزة من أسطح بيوتها ظنها مدافع مصوبة فوجه نيران مدافعه عليها، ودخل الفخار في أعمال البناء الأخرى مثل قصارة الجدران حيث كانوا يثبتون قطعا من الفخار – شقف على الجدار ويضعون عليها الملاط – المونة – وكانت من الكلس الشيد – والرماد – القصرمل – كما دخل الفخار في بنية السقف العقد قبل معرفة الباطون المسلح وكان السقف قريبا من الشكل القبابي – العقد – يستغرق انجازه نحو ستة أشهر إذ يوضع تحته تراب ثم يزال بعد أن يجف البناء ويتماسك، وكان الفخار على شكل أنابيب إسطوانية يوضع في السقف ليقل ثقله على الزوايا أو الأعمدة. وهكذا كان الفخار عنصرا هاما في حياة السكان اليومية مما جعله يدخل كثيرا في أمثالهم ومنها:

الفخار في التراث الشعبي

– كلما حك الكوز في الجرة: كانت ربة البيت كلما احتاجت إلى الماء أخذته من الجرة بواسطة كوز صعير موضوع فوقها إذ لم تكن هناك حنفيات أو خزانات ماء في البيوت، فالأحداث التي تتكرر كثيرا دون انتظام يشبهونها بعمل ربة البيت في ملء الكوز من الجرة.

– مش كل مرة بتسلم الجرة: يقال هذا لمن غامر وسلم ورغب في إعادة الكرة فليس كل مرة تسلم الجرة بل انها معرضة للتحطم في أي وقت.

– لولا الكسوره ما عمرت الفاخورة: يقولونها للتهوين من الخسائر البسيطة فلولا تكسر الفخار لما استمرت الفاخورة في عملها، وهذا يشبه قولهم مصائب قوم لقوم فوائد.

– خلي السمن في جراره لما تطلع أسعاره: يقال هذا للشخص الذي يتعجل بيع بضاعته بسعر بخس، ويقال أحيانا لمن يستعجل في تزويج ابنته.

– زي أباريق الجامع: كانت تقال عن أولاد قذرين أو مشوهين لأن أباريق الجامع كانت تستعمل للوضوء والاستنجاء ولا يشترونها جديدة وإنما يتبرع بها جيران الجامع وهم يتبرعون بالإبريق الذي تنكسر فوهته أو بعبوزه أو يصبح قديما جدا.

– اللي في القدر بتطلعه المغرفة: يقال هذا حين يكون الطلب أكثر من الممكن فلا يمكن التلبية إلا في حدود الامكانات وكما انك لا تستطيع أن تخرج من القدر أكثر مما به فلا يمكن أن تتوقع من ابنك أو أي انسان أن يعطيك أكثر من امكاناته، حتى في السياسة قالوا أنها فن الممكّن.

– فخار يكسر بعضه: وذلك أن الفخار كان ينقل على الجمال في أكياس كبيرة من حبال مشبكة مجدولة يسمى الواحد منها”كر” توضع فيه الأواني الفخارية من الفاخورة إلى القرية أو البلدة المتجهة إليها ويُحمَّل كيسان متقابلان على ظهر الجمل، فإذا وقع اناء على آخر لا ينكسر وحده وإنما تنكسر معه الأواني المجاورة، يقول الخصم هذا المثل حين يتقاتل خصومه فيستفيد من ذلك ويقول فخار يكسر بعضه أو يقوله الشامت الذي يفرح لمصائب الغير، وينطبق هذا بصورة خاصة على المواطنين الذين يتقاتلون فيما بينهم مما يفيد عدوهم المتربص بهم.

– وهناك حكاية شعبية عن رجل زوج ابنتيه احداهما لمزارع والثانية لفواخيري، ذهب مرة لزيارتهما فرأى زوجة المزارع مهمومة لأن زوجها زرع البذار وتأخر المطر، ثم بعد مدة قصيرة توجه للثانية وكان المطر قد بدأ ينهمر فرأى ابنته كئيبة لأن زوجها وضع أوانيه الفخارية تحت الشمس لتجف ففاجأه المطر مما تسبب في اتلافها، فلما عاد الأب لزوجته وسألته عن حال ابنتيهما قال لها: إن أمطرت عيطي وإن صحيت عيطي – إن أمطرت عيطي على مرة الفواخيري وإن صحيت عيطي على مرة المزارع.

ولا أنسى هنا قولا قرأته في مجلة الرسالة بقلم رئيس تحريرها أحمد حسن الزيات بعد القاء القنبلة الذرية التي أذهلت العالم على اليابان قال فيما قاله: وبينما توصلوا في الغرب إلى تفتيت الذرة، ما زلنا في الشرق نتفنن في تزويق الجرة.

عن الجزء الثالث من كتاب غزة عبر التاريخ للمؤلف الاستاذ ابراهيم خليل سكيك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى