المحور الثقافي

زعمـاء رأيتهـم للاستاذ ابراهيم خليل سكيك

من مؤلفات غزة عبر التاريخ الجزء السابع

الحاج أمين الحسيني فـي غـزة

رأيته في غزة في أوائل الثلاثينات جاء خلال جولاته في المدن الفلسطينية حين كان رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، كانت له شعبية قوية، إزدحمت الشوارع واشرأبت الأعناق لرؤية هذا الزعيم الصلب الذي قاد الحركة الوطنية الفلسطينية بإخلاص وتفان، رأيته في مدرسة الفلاح الوطنية حيث أُعدت قاعتها الواسعة لإجتماع شعبى، إمتلأت القاعة والغرف والممرات المحيطة بها لتسمع إلى خطاب وطني ألقاه هذا الزعيم الفلسطيني بحماس، كان يحث على الإخاء والوحدة الوطنية والتمسك بالأرض.

ورأيته عام 1949 عن بعد حين جاء إلى غزة لإعلان حكومة عموم فلسطين، كان ضيفاً في غزة على معتمده فيها – الحاج موسى الصوراني – فكان يستقبل مئات الضيوف المرحبين به يومياً في بيارة يَمن، وكنت أجلس على مقهى مطل على شارع عمر المختار حين مرّ موكب الحاج أمين الذي إشتهر بلقب “المفتي” كان في سيارة محاطة بحرس فلسطيني مسلح كان الموكب في حد ذاته يبعث في النفس نشوة وشعوراً بالكبرياء، فالمفتي كان يمثل فلسطين وموكبه فخر لنا لكن فرحتنا لم تطل فقد علمنا بأن المفتي استدعي لمصر والحكومة التي شكلها بقيت إسماً بلا مسمى وجسماً بلا روح.

وفي عام 1958م قابلت المفتي في مصر، كنت هناك في إجازة طويلة ورغبت في الإجتماع به لأعرف عن قرب هذه الشخصية الفذة التي قادت كفاح الشعب الفلسطيني ردحاً من الزمن، وكنت أرغب في أخذ معلومات ومطبوعات منه حيث كنت أعد كتباً عن تاريخ فلسطين وجغرافيتها للتلاميذ.

ذهبت إليه في مقره بمصر الجديدة، وكان على بابه حارس مصري وفي مكتبه نفر من اصحابه، وزرته هناك وإستأنست به وأنس بى، إذ كان سمح المحيا يَحسن الاستقبال واحترام الضيف، كما يُحسن الإستماع ويتحدث بروح طيبة ونفس مرحة، قدمت له كتاباً مدرسياً وضعته عن تاريخ فلسطين وفي زيارة تالية أبدى ملاحظة عما ورد فيه بأن المدارس التبشيرية كانت من عوامل اليقظة العربية في أواخر القرن19، كان نقاشه نابعاً من إحساس ديني إسلامي عميق فلا يعتقد بأن المدارس التبشيرية عامل من عوامل نهضة أمة إسلامية، وناقشته مرة عن مواقفه السلبية حين كان يرفض الحلول الوسط التي تعرضها عليه الحكومة البريطانية فأبدى أن الوطني الغيور لا يمكنه أن يفرط في شبر من الأرض أو حق من الحقوق الوطنية، فرأيت فيه زعيماً وطنياً ومكافحاً صلباً لا تلين له قناة، فلم يكن رجل دبلوماسية يعتمد على اللف والدوران ويرضى بأنصاف الحلول وإنما استمر في موقفه مناضلاً عنيداً آمن به شعبه فالتفّ حوله، ولدى محادثته وجهاً لوجه تشعر أنه قريب من القلب كما لو كنت تعرفه منذ أمد بل كما لو كان قريباً محباً لك.


المـلك فـاروق فـي غـزة

في يوم من أيام يوليو – تموز – 1948م سرت إشاعة في المدينة أن زائراً كبيراً في طريقه إلى غزة وهرع الناس على جوانب شارع عمر المختار لمشاهدة هذا الزائر وقيل أنه قد يكون وزير الحربية حيدر باشا، وهمس أحدهم في أذني أن الملك فاروق نفسه هو الزائر، وكنت بين مصدق ومكذب وأنا بين جموع كثيرة على الطرف الشرقي من الشارع المذكور وهو الشارع الرئيسي بغزة، وإذا بمقدمة الركب تسير في موكب مهيب يبعث في النفوس الرهبة: دراجات نارية يمتطيها جنود حسنو المظهر تتبعها سيارات عسكرية مسلحة، ثم مرت سيارة الملك وكانت مكشوفة تحيط بها ثلة من الحرس الملكي إحاطة السوار بالمعصم، لم يكن الوقت طويلاً لكي ننظر بإمعان إلى وجه الملك وهو بلباس عسكري يحيى الجماهير، وإنما خرجنا بانطباع أولي بأنه جميل الصورة متدفق بالحيوية وانفضت الجماهير والكل يعلقȠعلى ما رأى فمن قائل: معذورات بنات مصر في الإفتتان بهذه الشخصية الرائعة، وكانت سمعة الملك من ناحية النساء سيئة، لكننا كنا نقيّم الرجال بنسبة ما يقدمونه من أجل فلسطين، وكان مجئ ملك مصر ليزور جبهات القتال بنفسه دليلاً على إهتمامه ومتابعته لما يقوم به جيشه في هذه الربوع.

وقيل لنا فيما بعد أن رصاصات أطلقت على موكب الملك من مستوطنة كفر داروم عند دير البلح وأن الأمر الملكي صدر إذ ذاك بتصفية هذه المستوطنة فقامت المدفعية المصرية بدكها نهائياً وإزالتها من الوجود مما أبدى لنا بأن الجيش قادر إذا أراد قادته على تحقيق الكثير.


محمـد نجـيب فـي غـزة

زار محمد نجيب قائد ثورة 23 يوليو 1952 – غزة عام 1953م فيما أذكر وأقيمت له إحتفالات في حديقة البلدية – المنتزه – وزارنا في الصباح وأنا معلم في مدرسة فلسطين الثانوية وهي المدرسة الثانوية الوحيدة في القطاع إذ ذاك، وكانت قد أنشئت حديثاً في مكان جميل على رمال غزة القريبة، وكان عدد من تلاميذي الهواة قد رسم خريطة فلسطين على قطعة كبيرة من القماش بالألوان وحولها برواز خشبي، رأيت الفرصة سانحة فأوقفت اثنين من التلاميذ عند مدخل المبنى مع تلاميذ آخرين اصطفوا لتحية الضيف الكبير، فلما جاء في مقدمة رهط من كبار الضباط قدم له التلميذان الخريطة فرفعها على رأسه وبدا على محيّاه التأثر ثم ناولها لأحد أتباعه وهتف التلاميذ بحباة فلسطين وحياة مصر والثورة.

وفي ساحة المدرسة شهد تحية العلم الفلسطيني وكان بادى الإنفعال كنت وراءه ورأيت تقلصات عضلات وجهه وألقى أحد المدرسين خطاباً حماسياً قال فيه: إن أسماءكم يا أبطال الثورة يتردد في كل خيمة من خيام اللاجئين بصفتكم موطن الرجاء ومعقد الآمال لاسترجاع الوطن…


جمـال عـبد الناصـر فـي غـزة

كنت وكيلاً لمدرسة الزهراء الثانوية حين جاء أمر في صبيحة يوم من أيام آذار (مارس) 1955م بأن نهئ قاعة المدرسة لاستقبال زائر كبير وجاء عدد من كبار المسئولين والحكام ورجال الأمن ثم أخذ يتوافد عدد من رجالات المدينة والقضاء وأعددنا بعض الطالبات لتحية القادم الكبير وصحبه.

ثم أقبل الركب حوالي الساعة العاشرة وهبط من السيارات العسكرية في ساحة المدرسة وفوجئنا برؤية جمال عبد الناصر عرفناه من صوره التي كانت تنشر في الصحف، وتركزت الأنظار عليه، جذبتنا شخصيته الفذة بقامته الفارعة وعينيه الواسعتين اللامعتين وسمرته المصرية الأصيلة وكان معظم الضباط الذين عرفناهم أيام الملك فاروق بيض البشرة تجرى في عروقهم دماء تركية أو شركسية من أثر المماليك، كان وجهه متجهماً جاء لنا مشجعاً بعد هجوم 28 فبراير (1955) على محطة غزة – وقد سبق ذكره.

دخل القاعة فانتصب القوم وقوفاً وهم يهتفون بحماس وانفعال عفوي، وارتجل رئيس البلدية – منير الريس – كلمة وطنية حيا فيها الرئيس وصحبه وأشاد ببطولات رجال الثورة المجيدة وأفضى إليهم بآمال الشعب الفلسطيني فيهم، وقدم للرئيس خريطة صغيرة لفلسطين مجللة بالسواد كُتب تحتها الشعار المعروف إذ ذاك – إننا لعائدون – وكانت هذه الخريطة متداولة بيننا.

ثم وقف عبد الناصر بقامته المهيبة ووجهه الصارم وعينيه اللتين تشعان بريقاً لافتاً للنظر، وبهدوء بعيد عن الإنفعال ألقى كلمة مؤثرة بيّن فيها تعاطفه مع الشعب الفلسطيني واختتمها بقوله: ولقد أصدرت الأمر لزميلي عبد الحكيم عامر قبل أن أبرح القاهرة بأن يرد على العدوان بالعدوان. وكان عبد الحكيم وزير الحربية إذ ذاك.

ثم خرج من القاعة وانفض القوم في أثره وهم يحيون أولئك الأبطال وقد بدوا لنا كرجال شعبيين يتصرفون دون كبرياء، ولفت نظرنا صلاح سالم وهو يحيينا كأنه يعرف كل واحد فينا دون تكلف وكذلك سائر الضيوف الذين بدت على وجوههم ملامح الرجولة والشجاعة.

وتُرجمت أقوال عبد الناصر إلى أفعال إذ امتلأت المدينة بعد أيام قليلة بجنود كوماندو مصريين كانت على سواعدهم صورة جمجمة دلالة على استعدادهم للموت والفداء، فأخذوا يتسللون داخل حدود إسرائيل ينصبون الكمائن ويلغمون الطرق ويطلقون النيران على الدوريات الإسرائيلية ثم نظم المرحوم مصطفى حافظ جموعاً من الفلسطينيين ليكونوا فدائيين يتسللون داخل الحدود مما أدى في النهاية إلى إشتعال الحرب (1956).


أنـور السـادات فـي غـزة

كان يوم 7 مارس 1958م يوم الذكرى الأولى للإنسحاب الإسرائيلي من القطاع، وقد نشطت الإدارة المصرية في العام الماضي فأنجزت مشاريع عمرانية رائعة كمبنى المجلس التشريعي وتمثال الجندي المجهول ومحطة غزة الجديدة والمدرسة الإصلاحية.

وجاء عيد النصر الأول – 7 مارس 1958 – وعرفنا أن مندوباً عن الرئيس عبد الناصر سيشاركنا الاحتفال ويفتتح ما تمّ إنجازه من مشروعات وخرجنا في جموع كثيرة نستقبل مندوب الرئيس عند محطة سكة حديد غزة الجديدة. وجاء المندوب في وقت مبكر مع صحبه في موكب عسكري، ولا أزال أذكر الإنفعال العاطفي الذي شعرت به وأنا أشهد موكباً عسكرياً قادماً من مصر موفداً من رئيس عظيم ملأت شهرته الآفاق بعد أن صنع للعرب مجداً وجعل لهم مكانة سامية بين شعوب العالم، فقد أصبح إسم ناصر ملء أسماع العالم بعد خروجه من حرب السويس ظافراً، وبعد أن نجح في تأميم القناة وأنهى الإحتلال البريطاني الطويل فغدا رمزاً لتحرر الشعوب، وغدت حركته نبراساً تهتدي بها الأمم المغلوبة.

ووصل مندوب الرئيس وكان من رفاقه في الكفاح- أنور السادات – وكنا قد سمعنا الكثير من خطبه البليغة، وصل وحيّا الجماهير المحتشدة وهبط من سيارته العسكرية وقص الشريط إيذاناً بافتتاح المحطة الجديدة، رأينا فيه سمرة فرعونية ومشية بخطوات واثقة رياضية، ونظرات ثاقبة تدل على إرادة قوية وحيوية شديد.

ثم سار الموكب نحو مبنى المجلس التشريعي يتبعه الحاكم العام وصحبه والتقى هناك آلاف المواطنين غصّت بهم الساحة الواسعة التي صارت تسمى ميدان الجندي المجهول بعد أن نصب فيها تمثال جندي يشير بيده نحو خط الهدنة.

حضرتُ ذلك المهرجان والقوم حولي في حماس بالغ، كنا نستمع إلى خطاب حماسي طويل ألقاه السادات، وإستعرض فيه مؤامرات الإستعمار منذ الحرب العالمية الأولى وبيّن بكلام بليغ كيف استطاع العرب بتعاضدهم أن يحققوا نصر 7 مارس 1957م، لمستُ في السادات قدرة فائقة كخطيب مؤثر واسع الإطلاع وقادر على إستقطاب الجماهير واستمالتها بقوة بيانه وعظمة شخصيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى